Search

هل حقاً أعتذر بلير عن إسقاط صدام

عبدالخالق حسين

استبق توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق نشر (تقرير جلكوت the Chilcot report) عن الحرب التي شنتها قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا وبريطانيا عام 2003 عندما كان رئيساً للوزراء، الحرب التي أسقطت نظام صدام حسين،… استبق نشر التقرير بمقابلة مع قناة CNN الأمريكية، أعرب فيها عن تأسفه على ضحايا الحرب من الجنود البريطانيين وغيرهم، و أنه اعتمد على المعلومات الاستخباراتية البريطانية التي وصلته في وقتها عن امتلاك صدام لسلاح الدمار الشامل، وإذا كانت هذه المعلومات خاطئة فهو غير مسؤول عن هذا الخطأ.

وقد فسر البعض، بينهم كتاب عراقيون وعرب وغيرهم، كلام بلير هذا بمثابة اعتذار واعتراف بالخطأ، وهو في الحقيقة ليس كذلك حسب ما جاء في معظم الصحف البريطانية عدا صحيفة الديلي ميل.

فقد لخص المحرر في الغارديان، روي غرينسديل، آراء معظم الصحف البريطانية الكبرى عن تصريحات بلير، في تقرير له نشر في صحيفة الغارديان اللندنية يوم 26/10/2015 (*)، توصل فيه إلى استنتاج أن معظم هذه الآراء لم تجد أي اعتذار في تصريحات توني بلير، أو اعتراف منه بأنه جر بريطانيا إلى جانب أمريكا في الحرب على صدام حسين كان خطاً. فكلمة آسف sorry)) لا تعني الاعتذار (apology). كما و نسي معظم المعلقين أن بلير قال بكل وضوح أنه من الصعب عليه أن يعتذر عن إسقاط حكم دكتاتور دموي مثل صدام حسين.

فمعظم خصوم بلير ومعارضيه يربطون الإرهاب في العراق بسقوط صدام، ويقولون ما مفاده أن صدام حسين كان بمثابة صمام أمان ضد الإرهاب، ولولا إسقاطه لما تعرض الشعب العراقي لهذا الإرهاب المتوحش. وهذا خطأ آخر يرتكبه معارضو إسقاط حكم صدام. إذ كما قال بلير في مقابلته المشار إليها أعلاه، أن نظام الحكم البعثي برئاسة بشار الأسد في سوريا لم يتعرض للحرب وإسقاطه من قبل التحالف الدولي، ولكنه مع ذلك فهاهي سوريا تواجه الإرهاب منذ 2011، وأكثر من نصف مساحتها محتلة من قبل العصابات الإرهابية الإسلامية المتطرفة، ونصف شعبه مشرد في هجرة داخلية و خارجية، وقُتِل نحو 300 ألف. ويستنتج أن تزامن الإرهاب في العراق مع سقوط صدام حسين هو مجرد صدفة، وكان بالتأكيد سيحصل حتى ولو لم يتم إسقاط حكم صدام…
أعتقد هذا الكلام من بلير جداً صحيح و معقول. ونفس القول ينسحب على اليمن ودول أفريقية مثل نايجريا مع بكوحرام وغيرها، فهذه الدول المبتلاة بالإرهاب لم تتعرض لأي احتلال.

وهناك حقيقة أخرى لم يذكرها بلير، وهي أن نظام صدام حسين كان بحد ذاته إرهابياً يمارس إرهاب الدولة ضد الشعب العراقي وشعوب الدول المجاورة، فتسبب في قتل مليونين في الحرب العراقية-الإيرانية، وهجَّر نحو 5 ملايين عراقي إلى الخارج بينهم مليون من المهجرين قسراً من الشيعة وخاصة الكرد الفيلية لأسباب طائفية، وقتل نحو 300 ألف خلال ستة أسابيع اثناء قمعه الانتفاضة الشعبانية في آذار 1991 بعد طرده من الكويت، وقتل خمسة آلاف في مدينة حلبجة الكردية بالغازات السامة، و180 ألف من الكرد في عملية الأنفال الهولوكست، وأحرق أكثر من خمسة آلاف قرية في كردستان، ودمر منطقة الأهوار في الجنوب وشرد سكانها، إضافة إلى ما لحق الشعب العراقي من الدمار الاقتصادي بسبب الحصار الأممي بعد جريمته في  احتلال الكويت، وقائمة جرائمه تطول…
ثم لا ننسى أن القائمين بالإرهاب في العراق بعد سقوط صدام معظمهم من فلول البعث الذين جعلوا المحافظات السنية حاضنة للإرهاب الإسلامي الوهابي الداعشي الوافد من شتى أنحاء العالم وذلك لرفضهم الديمقراطية.
فحزب البعث هو إرهابي في جميع الأحوال، سواءً كان في الحكم أو خارجه. وهكذا حكم كان من المستحيل إسقاطه من قبل الشعب العراقي الأعزل بقواه الذاتية، وحتى لو كان قد سقط على أيدي العراقيين لكان العراق أسوأ من الصومال وليبيا واليمن.

أما عدم عثور مفتشي الأمم المتحدة على سلاح الدمار الشامل في العراق بعد إسقاط صدام، فهذا لا يعني أن صدام ما كان يخطط لامتلاكها. فهو الذي تباهى أمام العالم أنه بإمكانه حرق نصف إسرائيل، وكان قد حرم الشعب العراقي من ثرواته الهائلة وبددها على عسكرة البلاد والعباد وحروبه العبثية وبرامج سلاح الدمار الشامل، ولا ننسى قصة المدفع العملاق…الخ.
وفي هذا الخصوص قال ساميول هانتنغتون في كتابه (صراع الحضارات)، أنه لو تأخر صدام في احتلال الكويت لثلاث سنوات، لما استطاعت أمريكا إخراجه، لأنه يكون عندئذ قد أمتلك السلاح النووي. وهذه الحقائق يعرفها الغرب سواءً وجدوا عنده سلاح الدمار الشامل أم لم يجدوا.
والملاحظة الأخرى التي يتجاهلها البعض عن جهل أو عمد، هي أن سلاح الدمار الشامل لا يعني امتلاك القنبلة النووية فقط، بل ويشمل السلاح الكيمياوي والبيولوجي (أنثراكش) أيضاً. والكل يعرف أن صدام كان يمتلك السلاح الكيمياوي حيث استخدمه في حربه مع إيران، وكذلك ضد الكُرد في مدينة حلبجة الكردستانية. وهذا يعني أن صدام لم يتردد في استخدم السلاح الكيمياوي حتى ضد شعبه.

هناك حقيقة أخرى يجهلها معظم الذين يلقون اللوم على بلير في وقوفه مع أمريكا في حربها على طالبان في أفغانستان والبعث الصدامي في العراق، وهي أن بريطانيا مدينة لأمريكا في دعمها لها إثناء الحرب العالمية الثانية، ولولا أمريكا لكانت ألمانيا الهتلرية دمرت بريطانيا بالكامل وسيطرت على كل أوربا، و لم يكن عالمنا اليوم بشكله الحالي. ومنذ انتصار الحلفاء على دول المحور، وإعادة إعمار أوربا بفضل أمريكا (خطة مارشال)، ترى بريطانيا وأي كان في الحكومة، حزب العمال أو المحافظين، أن من واجبها أن تقف كتفاً إلى كتف مع أمريكا في السراء والضراء ، سواءً كان بلير أو غيره رئيساً للحكومة. وهذه الحقيقة يدركها صناع القرار على جانبي المحيط الأطلسي.




الأخبار العاجلة