Search

التشيع الثقافي والتشيع الخرافي

الأثر نيوز / بغداد

سليم الحسني

صمد التشيع عبر التاريخ أمام كل التحديات، بفضل تمسك علمائه بمنهج الأئمة عليهم السلام، حيث التزموا بعقائدهم ومفاهيمهم وتعاليمهم وأحاديثهم الصحيحة، واستطاعوا أن يؤسسوا العلوم والنظريات والمدارس الأصولية والفقهية والعقلية، بحيث وضعت علماء الشيعة في طليعة علماء المسلمين، ولم يستطع علماء المذاهب الأخرى من مجاراتهم في الأبحاث والمناظرات والاستدلالات.

وكانت تظهر بين فترة وأخرى اتجاهات فكرية داخل الوسط الشيعي لكنها ما تلبث أن تنزوي أمام القوة العلمية الأصيلة لمدرسة أهل البيت، وهذه ظاهرة مألوفة في التاريخ، وقد شهدتها كل الأديان والمذاهب. …

في بدايات الستينات ظهرت الفرقة الشيرازية، على يد السيد محمد الشيرازي، وقد اعتمدت الخرافة بالدرجة الأولى لتجميع الانصار، فتصدى لها مراجع الدين في النجف، مما جعلها تنزوي في العراق، فنقلت نشاطها الى الكويت، وحصلت على الاتباع وزاد نشاطها بفضل القدرة المالية الهائلة التي حصلت عليها. ومن الكويت انتشرت في الخليج ودول أخرى. ثم عاد نشاطها الى العراق بعد سقوط نظام الدكتاتورية، واستطاعت ان تصنع اتجاهاً عريضاً من الخرافيين المعتاشين على بساطة الناس، وسوء الأوضاع في البلد نتيجة فساد وفشل السياسيين.

وعلى منهج الفرقة الشيرازية، سار بعض الاشخاص فاعتمدوا منهجها الخرافي للإعتياش وخصوصاً مجموعة الخطباء الذين لم يحصلوا على القدر الأدنى من التحصيل العلمي في مجال الدراسات الإسلامية، فسلكوا طريق الخرافة لسهولته واعتماده على الخيال والأحلام والأساطير والروايات المكذوبة المنشورة في الكتب من دون تمحيص ودراسة.

وهكذا أصبح الوسط الشيعي متوزعاً على اتجاهين، الأول اتجاه علمي يعتمد الأصالة والبحث العلمي وفقاً لمدرسة الأئمة، والثاني اتجاه خرافي يحمل عنوان التشيع لكنه يرفض منهج الأئمة ولا يلتزم به، فيأخذ بالحديث الضعيف والمكذوب، ويخالف منهجهم الأخلاقي والتربوي لتلامذتهم وشيعتهم. …

استطاع التشيع العلمي أن ينتشر ويؤثر في الأوساط العلمية والمثقفة لدى المذاهب الأخرى، وهذا ما رصدته الوهابية السعودية وأثارت ضده حملة إعلامية شديدة على مدى السنوات القليلة الماضية.

وبالتزامن مع ردة الفعل الوهابية في هذه السنوات، ازدادت قوة التشيع الخرافي بشكل سريع في صعود خاطف وبامكانات هائلة في مجال المال والاعلام. بحيث استطاع التشيع الخرافي أن يُصادر الكثير من جهود التشيع العلمي في التبليغ والمحاججة والمناظرات الحوارية.

فالغلبة عادة تكون للصراخ والضجيج على حساب منطق الحوار والجو العلمي.

كما أن ردة الفعل المضادة تكون شديدة أمام لغة السباب والشتائم، إذ أنها تلغي مشاريع الحوار وتعتم عليها، وهي المشاريع التي كان التشيع العلمي قد قطع مشواراً طويلاً فيها وحقق الكثير من النتائج المؤثرة. وبذلك نجح التشيع الخرافي، أن يأتي على جهود عشرات السنين من عمل التشيع العلمي.

ويبدو أن الغلبة ستكون له في ظل الامكانات الهائلة التي يمتلكها الخرافيون، وهذا واضح من خلال اكثر من عشرين فضائية حتى الآن والعدد مرشح للزيادة، بينما لا توجد فضائية واحدة للتشيع العلمي بشكلها المهني.

يعيش الخرافيون في أحسن الظروف وتحت تصرفهم أفضل الامكانات، في حين يكافح المثقف الشيعي من أجل البقاء في نشر التشيع الأصيل كما أراده أهل البيت عليه السلام انتهى.




الأخبار العاجلة