Search

الشيرازيون و«طقسنة» التشيّع

الأثر نيوز / بغداد

بقلم: عبدالله العلوي / أستاذ حوزوي ـ العراق

حين برز تيار الشيرازي (نسبة الى المرجع الراحل السيد محمد مهدي الشيرازي) في كربلاء ثم في الكويت وحتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، صُنّف بوصفه تياراً فكرياً تقدّمياً داخل المجال الشيعي. فكانت كتابات الشيرازي وإخوته (حسن الشيرازي اغتيل في بيروت في 1981) وصادق الشيرازي (المرجع الحالي في قم) وأبناء أخته (محمد تقي المدرسي وهادي المدرسي)، ومجموعة كبيرة من مثقفي التيار (وهم في الغالب من رجال الدين)، تتّجه ناحية الاجابة على الأسئلة الكبرى في سبعينيات القرن الماضي: هل الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟ هل يمتلك الإسلام إجابات على كل الأسئلة، وهل في الاسلام نظام سياسي وآخر اقتصادي وثالث اجتماعي، وهل لديه رؤى في الفن، والصعود الى القمر، ومواكبة العصر بكل تعقيداته، وقوانين الطبيعة، ونظرية الكون…؟ حينذاك، انخرط التيار في تزويد الساحة الشيعية على وجه الخصوص والإسلامية عموماً بفيض من الكتابات الثقافية المتقدّمة، وبرز في التيار من اشتغل على صوغ خطاب شيعي ثوري ومفاهيم إصلاحية تنقل التشيّع من وضع «الاستقالة التاريخية» الى وضع «النضالية الثورية»… وكان لمؤلفات الشيرازي وابن أخته محمد تقي المدرسي، المرجع الديني الحالي في كربلاء، دور محوري في التأسيس لحركة شيعية متطوّرة في المجال العربي، رغم التأثيرات الواضحة لأفكار اليسار الشيعي الإيراني ممثلاً في المفكّرين الثوريين أمثال جلال آل أحمد وعلي شريعتي. وقد عالج المدرسي، على سبيل المثال، وبصورة نقدّية مفاهيم راسخة في العقل القدري الشيعي مثل التوكّل والشفاعة والانتظار والتقيّة والايمان السلبي بالغيب… ونجح الشيرازيون في تعميم خطاب شيعي حركي في منطقة الخليج في منتصف السبعينيات، ثم جاءت الثورة الإسلامية الإيرانية كرافعة نموذجية لتزخم الخطاب الجديد وتزيد في ترسيخه وصولاً الى تقويض أسس الموروث الشيعي الغيبوي الذي أسبغ عليه علي شريعتي دمغة «التشيع الصفوي»، أي تشيع السلطة، والشفاعة، والتقيّة، والانتظار، والخرافة، والدعاء من دون العمل، وزيارة الأضرحة من دون التزام قيم أصحابها… وأمكن القول بأن الشيرازيين كانوا في عقد الثمانينيات روّاداً في تأصيل خطاب ثوري بمواصفات شيعية عربية جنباً الى جانب الخطاب الثوري الايراني، وساعدت الأصول الإيرانية لقادة التيار في «استعارة» و«تعريب» الأفكار الثورية الإيرانية التي كانت تُنتَج على امتداد القرن العشرين، والتي لم يكن بإمكان الأحزاب الشيعية العربية (العراقية على وجه الخصوص مثل حزب الدعوة) القيام بهذه المهمة. ولكن التشيّع الغيبوي القدري الذي اعتقد المناضلون الشيعة بأنه ولّى الى غير رجعة، عاد للانبعاث مجدّداً بعد أن كان الخط التقليدي داخل تيار الشيرازيين يصارع من أجل البقاء خلال عقد الثمانينيات، عبر مشاغبات عابرة كرد فعل على تشريعات فقهية صدرت عن المرجعية الدينية للجمهورية الاسلامية الايرانية ممثلة في الامام الخميني، مثل حظر طباعة أجزاء من كتاب «بحار الأنوار» للشيخ محمد تقي المجلسي التي تشتمل على كلمات مسيئة للخلفاء الراشدين. وكذلك حظر بعض الممارسات الطقسية من قبيل «التطبير» أي ضرب مقدّمة الرأس بالسيف حد الإدماء، أو حتى إباحة لعبة الشطرنج غير المصحوبة بالقمار كونها تمريناً ذهنياً. وكرد فعل على «عشرة الفجر» (أي الفترة الواقعة ما بين وصول الامام الخميني من باريس الى طهران وحتى سقوط الشاه) والتي يحتفل فيها الايرانيون بذكرى انتصار الثورة الاسلامية، ابتدع الشيرازيون عشريات متعاقبة أطلقوا عليها مسمّيات لها وقعها في الوجدان الشيعي مثل العشر الفاطميات، والعشر الزينبيات. وبعد أن كانت مناسبة عاشوراء مقتصرة على عشرة أيام يضاف اليها يومان آخران الثالث عشر من محرم المخصص لدفن أجساد شهداء كربلاء، والاربعين المخصص لعودة سبايا عائلة الحسين عليه السلام من الشام الى كربلاء وزيارة الصحابي جابر بن عبد الله الانصاري لقبور الشهداء فإنّ ثمّة استحداثات طرأت لاحقاً وخصوصاً في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي وكرد فعل على التدابير الايرانية الدينية والرسمية التي تمنع التمادي في المناسبة العاشورائية شكلاً ومضموناً. وسّع الشيرازيون من المدى الزمني للمناسبة وكذلك بعدها الطقسي، فوضعوا تورخة جديدة للمناسبة تبدأ من ذي الحجة حيث قطع الحسين بن علي حجّه وقرّر التوجّه مع عائلته الى كربلاء وانتهاءً بشهر صفر، حيث يختتم لمناسبة فرح بمقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب وتقام في أماكن مغلقة كون الحكومة الإيرانية تمنع هذه الممارسات وتعاقب عليها. نشير الى أن تيار الشيرازي وفي رد فعل على إعلان «اسبوع الوحدة» في إيران في عهد الامام الخميني والمخصّص لتعميم ثقافة الوحدة بين المسلمين، أعلن هو «اسبوع البراءة» الذي يدعو للبراءة من الخلفاء الثلاثة. وفي السياق الشيعي، لم يقتصر الإحياء على عاشوراء بل صار لكل إمام مناسبة إحيائية خاصة وكذلك لفاطمة الزهراء وزينب بنت علي وفاطمة بنت حزام زوج علي بن أبي طالب المعروفة بأم البنين (والدة العباس بن علي أخ الحسين)، وتستغرق كل مناسبة أياماً عدّة، ثم توسّعت ظاهرة الاحياء لتشمل الصحابة مثل وفاة سلمان الفارسي وعمار بن ياسر والقائمة مفتوحة على احياءات أخرى. تكاد تخلو الفضائيات الشيرازية من فقرة خاصة بتلاوة القرآن الكريم لقد لعبت المناكفة والنكاية بإيران دوراً محورياً في نزعة الطقسنة التي غلبت على مجمل أنشطة الشيرازيين بعد وقف الحرب العراقية الإيرانية في آب عام 1988، ثم ما لبث أن انفجرت ثورة طقوسية بعد سقوط النظام العراقي في نيسان/ إبريل 2003، باستغلال حرمان العراقيين الشيعة من مزاولة الحريّات الدينية في العهود السابقة وتوظيفه لناحية الذهاب إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه «الشغف» الطقسي لدى الفرد الشيعي. وبدأت النزعة الخرافية تطغى على تيار الشيرازي حتى فرضت نفسها على حركته الدعوية على المستوى الاجتماعي، وصار مصنّعاً عالي الكفاءة لممارسات طقسية جديدة، واستعاد الخط التقليدي في تيار الشيرازي زمام المبادرة، وأرغم انتهى.




الأخبار العاجلة